
شرّقت و غرّبت بحثاً عن فاكهة أو خضروات لم يرتبط اسمها بنظرية، و لم أجد فكلما اكتب في محرك البحث “نظرية” واقرنها بأي نوع، ستظهر نظرية أو مبدأ أو مفهوم. فهناك نظرية إدارية سُميت بنظرية الموز، تُشجع على مسائلة الأشياء عوضاً عن الانقياد الأعمى خلفها لتعطي مساحة للتطور والنمو والتحسين. وأخرى للأفكادو، وتدل على التروي في الحصول على نتائج خصوصاً في المشاريع الكبرى ومراقبة نضجها بعناية في ذات الوقت. و ثالثة للبطيخ وهكذا دواليك. وعندما نفذت الفاكهة، ظهرت نظريات لأصناف أخرى كالورقيات، فهناك نظرية للنعناع مثلاً، ومغزى صاحبها أن يعطي رسالة بعدم تضخيم الأحداث وأن يغلب المرء الحكمة عندما لا يتعدى الأمر ربطة نعناع. و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فغزت النظريات والمفاهيم عالم المكسرات والحلويات، وظهرت نظرية للفستق، والتي تعتبر نسخة مشابهة في المعنى لنظرية النعناع، ولكن تختلف عنها بالتخصص بقيادة السيارة. ونظرية دونات اقتصادية وثالثة أطلق عليها اختبار المارشميلو، وهكذا.
و حتى الحيوانات لم تسلم من هذا الاجتياح لمسميات النظريات والمفاهيم، فانظر إلى الفيل (الذي رغم حجمه الضخم وقوته الهائلة إلا أنه نباتي، وأزعُم أن قرر أن يصبح كذلك تفادياً للصراعات ورغبة في الانعزال)، إلا أن ذلك لم يحميه من غزو أصحاب النظريات والمفاهيم، فتجدهم لا يقيمون قدراً لما سبق بل يدخلونه قسراً لغرفة بالكاد تكفيه، ثم يتهمونه بالتأثير السلبي على فرق العمل ومشاريع الشركة المالكة لهذه الغرفة. وحتى الحصان الميت لم يسلم منهم، و عوضاً أن يُكرم بالدفن، فإذا به ملقى على طاولة الاجتماعات يضرب به المثل، وتُشَكل الفرق واللجان لدراسة لماذا هذا المسكين لا يتحرك ؟!
وأثناء البحث المضني، طرأ على بالي أن لا أكتفي بتلقي النظريات، وعزمت أن اتدارك نفسي وأصوغ نظرية جديدة متفردة، وقررت مقاربة ذلك بمنظور مختلف، أن اختار صنفاً من الفواكه أو الخضروات، وانطلق منه ببناء نظرية. فكرت أن تكون النظرية مرتبطة بالطماطم لحضورها الكثيف في كل الثقافات، ولكنها تحبطني دائماً، فهي متواجدة في كل طبخة، وفي السلطات، وفي الكشنة ومع المشاوي، وهذا يفقدها هيبتها ورونق الحضور المنتقى بعناية. هذا إضافة لوجود نظرية باسمها لإدارة الوقت، ولا تسأل عن الرابط بينهما. وبذلك فشلت الطماطم في تحقيق المطلوب.
بحثت عن صنفٍ آخر ولكن أقل حضورا، فطرأ على بالي القرع، صنفٌ من أصناف الخضار النخبوية و تُشَبَّه رؤوس الرجال به. يغلب عليه الحضور الانتقائي، فمرة يشارك عن طيب نفس في شوربة الخضار، وأخرى يحضر ضيف شرف في كبسة الرز، و ثالثة تجده يتفرد بالشوربة لوحده، وحديثاً فرض نفسه في عدد من السلطات كمُكَون يرفع من قيمتها. ولكن نظرا لغزو الهوية الأمريكية لبعض القرع منذ عصر الابتعاث الأول في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أدى ذلك إلى تنازع مستمر بين هويته المحلية وهويته الأمريكية، وأنتج تشظياً واضطراباً. إضافةً إلى العداء والمعركة المستمرة مع الكوسة عن أصل كل واحد منهما، كل ذلك رَجّح قرار استبعاده.
احترت في أمري، فقررت التصعيد والذهاب لمن يفرض سطوته على سائر الأصناف، الفلفل. ذاك الذي تحتفي به ثقافات بأكملها ولا محالة بوجود نظريات ومفاهيم عديدة باسمه. وحضوره بعنفوان يمنحه تفوقاً على أقرانه، فمتى ما تواجد في شئ، حَوَلَه فيزيائياً من البرودة إلى الحرارة. ولا يحضر بخجل أو يتوارى عن الأنظار خشية اكتشافه، بل يعلنها مدوية، سأتواجد في هذا الطبق أو ذاك، وإن لم يعجبك الأمر، فاذهب للأطباق التي اختارت السلام.
ورغم ذلك فهناك العديد من الأصناف للفلفل، وتختلف باختلاف منشأها ولونها وبيئتها، كالانسان، تُشَكِله بيئته، وتقوده تجاربه في الحياة ومدى تحصيله من دروسها. ولا أكثر شهرة من فلفل شقراء، الذي انطلق منها غازياً كل المدن والقرى المجاورة لشقراء، ووصلت شهرته آفاق المملكة والدول المجاورة. وشقراء نفسها أعلنت عن مهرجان وموسم باسمه، يميزه عن سائر أقرانه، فهم يدفعونه للتقدم والرقي وهذه من خصائص البيئات المُحفِزة، أن تمنح وتهيأ عوامل النجاح.
فلفل شقراء حار على أعدائه من ذوي الباطنية التي لا تتحمل مجرد اللذعة الطفيفة، وحلو على أحبائه عشاق الحرارة، لم يبالغ في حضوره كما فعل الفلفل الهندي، بحيث يصبح عالة على مُضِيفه ويُنغِّص عليه لذة وجبته. كما أن فلفل شقراء لم يقلل من قدره ويتنازل عن هويته أو يغير من لونه كما فعل الفلفل البارد والذي اضطر بعد عدد من التنازلات وبعد ضياع هويته وتغير طعمه وشكله، أن يقرن صفةً باسمه تعكس هويته الحديثة ويعلن بأنه بارد رغم أنه فلفل !. فلفل شقراء لم ينتقي حضوره فحسب، بل وحتى قيمته لدى محبيه من متناوليه والمزارعين، فكان محافظاً دوماً على سعر يناسب مكانته بين سائر أصناف الفلفل، وتجده فقط لدى من يقدر قيمته، وخبراء الطبخ أضحوا يطلبون حضوره شخصياً ولا تكتمل أطباقهم إلا بتواجده، ومن كرمه ونبله أن يلبي دعواتهم.
وبذلك يكون هو الأنسب والأفضل لصياغة نظرية جديدة، نظرية جوهرها أن تنتقي حضورك، ولا تبالغ بالحضور أو الغياب، أو بالكلام أو السكوت، ولا تكون مندفعاً بحرارة أو منكفئاً ببرود، بل تُوازن بين ذلك. وتحافظ على قيمتك، وأن لا تتنازل عن مبادئك وهويتك رغم تعدد المغريات، فأنت ابن بيئتك، وأصالتك أن تستمد منها معانيك وقيمك، ولا أدل على الأصالة من اسمك وهويتك الأصيلة. وكن كفلفل شقراء.
اترك تعليقًا