الحرية والعبثية الغربية والشيطان

المنظومة التي أنتجت ‫جفري ابستين أنتجت غيره الكثير ممن لم تكتشفهم الصحافة، أو ممن كانت أفعالهم ضمن نطاق الانحلال الأخلاقي المعقول بالنسبة لها والذي يتوسع باستمرار، الانحلال الأخلاقي الذي يعتبر من مفاخر مخرجات المنظومة الفكرية الغربية، ويشار إليه أنه تقدم وتطور للبشرية جمعا. فالتعري مثلاً أصبح سمة أصيلة للمجتمع الغربي، والانسان يملك جسده، فهو حر وسيد نفسه.

جفري ليس استثناءًا غريباً، بل أداة للشيطان ليساهم في توسيع نطاق الانحلال الأخلاقي والحياة العبثية التي تتميز بها وتُسَوق لها المنظومة الغربية، والمبنية على عقيدة الحرية المطلقة للانسان، وأحاول في هذا المقاول إيضاح خلل هذا العقيدة.

الحرية المطلقة يقودها الشيطان

‏الحرية المطلقة تُمثل عبثية الوجود بأعلى تجلياتها، فلا حدود و لا منظومة أخلاقية مستقرة و لا مرجع ديني، ولاهدف إلا البحث عن المتعة والسعادة الشخصية والعبث المستمر بعيداً عن الإيمان بالخالق عز وجل، فلا عواقب ولا حساب ولا حياة تُنتَظر بعد الموت.

‏المنظومة الغربية وإن وصفت نفسها أحياناً بالنصرانية، فهي لا تستخدمها إلا كارتباط تاريخي ثقافي لا ديني، والتنازل مستمر عن الأوامر والنواهي المذكورة في الأناجيل المحرفة و ذلك بحسب ما تستدعيه متطلبات عقيدة الحرية، و في حقيقة الأمر وجوهره فإن هذه المنظومة يقودها الشيطان، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعندما يظن الإنسان الغربي بأنه حر مطلقاً ويقود حياته بنفسه!، فهو فعلياً مُسير من الشيطان.

‏((وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا)) سورة النساء، آية ١١٩

يقول الشيخ ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: (مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال)

و في هذه الآية ثلاثة أفعال واضحة جدا وَعَدَ بتنفيذها إبليس، الإضلال ونسج الأماني وبعدها الأمر، وتكرر ذكر الأمر مرتين وكليهما بعد الإضلال ونسج الأماني، ما يشير إلى أن الشيطان يَسهُل عليه التحكم بالبشر إلى الحد الذي يكون آمراً لهم فيطيعونه، وذلك بعد ما يؤسس ويهيأ الانسان في المرحلتين الأولى والثانية، وبذلك يكون الانسان مسلوب الفكر والإرادة. وقد بنى الشيطان أسس الضلال العَقَدِي في عقل الانسان الغربي عبر إيهامه بأن الحرية المطلقة أعلى درجات التقدم الفكري البشري، و بذلك يَصعب جدا على العقل الغربي التشكيك في هذه الأسس، فهي عميقة في فكره وعقيدته.

‏والشيطان هدفه واضح ومحدد، ويعرف كيف يضل كل إنسان لوحده، وأشمل من ذلك يعرف كيف يبني نماذج مجتمعية وأخلاقية للمجتمع ككل لتحقيق أهدافه. وفي حديث الرسول صلى الله عليه و سلم: ((إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه على الماءِ ، ثم يبعثُ سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمَهم فتنةً)) (حديث صحيح رواه مسلم)، ما يدل على وجود تنظيم ومهام و تنسيق وخطط لديه لإضلال الناس على كافة المستويات، و منها تزيين الحرية المطلقة للانسان ثم قيادته من دون أن يشعر، ليضله ويجعله يظن أنه على صواب وأن الحرية الشخصية المطلقة هي أعلى درجات التقدم البشري، وأن الانسان يملك قراره وسعادته ومستقبله، و يُمَنّيه بسعادة دائمة وتَحَكُم بحياته وأنه سيد نفسه وقراره، و يضله تمام الضلال عن الآخرة.

دور الشيطان في التقدم الفكري الغربي وبناء أسس الضلال

‏وتجد كثيرا من الفلاسفة والمفكرين الغربيين يُمعِنُون في التفكير في الانسان وغاية وجوده وحدود حريته وتذهب بهم الأفكار و تعود، و لكنها لا تمر على غاية الوجود وحقيقة التوحيد لله عز وجل التي ينبني عليها العبودية والتسليم لله عز وجل وبأوامره و نواهيه، و تقودهم أفكارهم إلى الضلال وبناء نماذج مختلفة لذلك، بل أنك تحتار هل هم يقودون المجتمع بأفكارهم أم أن المجتمع وتمظهرات نتائج الحرية المطلقة تقودهم.

‏ويعمل الشيطان بدون كلل ليوهم الإنسان بأن الفكر الانساني الفلسفي يتطور عبر الزمن وأن هذا يشكل تقدما للبشرية، ولكنه فعليا يتطور بعيدا عن حقيقة الوجود والعبودية، وكل ما ينتجه هؤلاء الفلاسفة والمفكرين هو في حقيقته ضلال ووسيلة إلهاء شيطانية، وتشتيت عن السؤال الجوهري والأخلاقي الحقيقي، لماذا نحن هنا؟

فتجد هؤلاء (المفكرين) الذين يحسب لهم المجتمع الغربي (والمسلم أحيانا مع الأسف) ألف حساب، تارة يبحرون في الوجود والشك، وأخرى يتناولون المعنى من الحياة، وتارة أخرى يتناولون فلسفة العقلانية، وغير ذلك من الأفكار التي يظن بها المجتمع الغربي (وجَعَله الشيطان يشعر بذلك) أنه يتقدم ويعالج مشاكل المجتمع والسياسة، وهو فعليا يتحرك ولكن بعيدا عن حقيقة الوجود. فالمجتمع الغربي يسير بلا حدود أو قيود تضبط سيره وترجعه إلى مرجعية أخلاقية، فالحرية هي المرجع الوحيد. وكل هذه الأفكار تتغير بمرور الزمن، والثابت الوحيد في معادلة التقدم الفلسفي والمجتمعي الغربي، هو البعد عن حقيقة الوجود. رغم أن السؤال بسيط وجوهري، لماذا نحن هنا؟ ولكن إضلال الشيطان لهم وتزيينه لعقيدة الحرية بالإضافة لنفخ الإنسان ووضعه في مقام أن يتحكم بقدره، وأنه الحر الطليق وسيد نفسه وعالمه، كل ذلك يعمي هؤلاء عن الحقيقة.

و كمثال على قوة الأسس التي بناها الشيطان لعقيدة الحرية، تلاحظ أن كثير من الأخلاق المرتبطة بالحشمة ونبذ التعري، واستنكار الشذوذ الجنسي، قد انهارت تماماً، والمجتمع قد تقبل ذلك، ولكن يوجد قلة في المجتمعات الغربية ترفض هذا الانهيار، بل وتعترف أحياناً بأن هذه النزعات غير أخلاقية، ولكن لا تستطيع هذه الفئة الرافضة أو المنزعجة أن تفعل شيئاً، لأن الحرية الشخصية مقدسة ولا يمكن المساس بها، ولا يوجد أصلاً مرجع عقدي أو أخلاقي يرتكزون عليه، فانزعاجهم فطري ولكن موقفهم ضعيف لِيُقنعوا أنفسهم أولاً ثم مجتمعهم بذلك، لأن الحرية تمثل العقيدة لكامل المجتمع، وكُتِبت القوانين للدول والمجتمعات بناءً على ذلك، فتجدهم في أحسن الأحوال يُبدون انزعاجاً ولكن القطار مستمر في طريقه والانهيار الأخلاقي متواصل وسكة الحديد (عقيدة الحرية) متينة وقوية.

القلق الوجودي والإلهاء

‏وإن ظهرت على الفرد علامات القلق الوجودي، أو ضاقت به الدنيا وضاقت به نفسه، حثه الشيطان للانغماس أكثر في ملذات الدنيا، أو للانتحار، أو للتضحية بنفسه و وقته لخدمة المجتمع لإيجاد شعور بالسعادة، أو حتى للنصرانية كدين مُحرف يَستَند عليه ليرتاح نفسياً لفترة من الزمن (المسيح يحررك – Jesus set you free)،، ثم يعود لما كان عليه، و تستمر الحرية المطلقة بعيدا عن التوحيد ويستمر الدين الشيطاني، ولا حدود أو محرمات لدى الشيطان في سبيل إضلال الإنسان.

‏لذا، فعندما تسمع أوتقرأ قصص المهتدين إلى الإسلام من المجتمع الغربي، تجدهم بحثوا عن الحقيقة لسنوات ولم تنفعهم أفكار فلاسفتهم ومفكريهم في الإجابة عن أسئلة القلق الوجودي، ورويداً رويداً زال التباسهم بالحرية المطلقة وبعبثية الحياة الغربية، ولم تناسبهم حلول إبليس لتشتيتهم، ففطرتهم أقوى من ذلك وسعيهم للحقيقة بدون تكبر قادهم للإسلام.

أضف تعليق